الخميس 10 سبتمبر 2020
الساعة 14:45, دمشق
cms-image-000025322

صراع السيطرة على العالم أرهق اللاعبين.. و لا نتائج واضحة في المدى المنظور

الساعة 20:40 بتوقيت دمشق

"أهم درس يمكن أن نستفيده من التاريخ هو أن البشر لا يستفيدون كثيراً من دروس التاريخ" مقولة للكاتب ألدوس هكسلي لا زالت تطبق في الحياة السياسية الى يومنا الحاضر..

لقد علمتنا السياسة منذ بداياتها أن لا أحد يبقى على حاله فمن يكون عدوك اليوم قد يكون صديقك الصدوق غداً، ومن تحاربه في هذه اللحظة قد يكون من أشد حلفائك بعد قليل.. إلّا أن للقاعدة شواذ أيضاً كما نعلم، والقاعدة الشاذة هنا هي في "الثالوث المظلم" والتي تشكل عناصره "فرنسا – أمريكا – بريطانيا"، هذا الثالوث الذي لم يتغير ولم يتبدل على مر العصور، ويعتقد أنه يجب أن يقتسم في كل عرس غنيمة، من أقصى شمال الكرة الأرضية الى أقصى جنوبها.

منذ عقود كثيرة و روسيا هي العدو اللدود لهذا لثالوث المتربص بها، وفي كل حركة لها يخرجون لها بالمرصاد، باتهامات و تصريحات حادة وعقوبات شديدة للضغط عليها و تشتيت سياستها.

مرة ينتقدون إجراءاتها ضد القرم ومرة ضد أوكرانيا وثالثة ضد سورية ورابعة ضد فلسطين وغيرها، متناسيين أن أذرعهم وصلت اَسيا و أفريقيا وأمريكا الجنوبية، و لازالت مستعمراتهم تغص في تلك البلدان، فكل شيء حلال لهم وحرام على روسيا تحديداً، ولو كان باستطاعتهم شن حرب حقيقية ضدها لما وفّروا ذلك، ولكن "الدب الروسي" أثبت كفاءته وقوته كنعصر مهم في المعادلة لا يمكن تخطيه بتاتاً.

نرى دائما تصريحات مغلفة بالتهديد من قبل باريس ولندن تجاه موسكو من تخويف استراتيجي وعدائية ومحاولة للتخريب السياسي بنشاطاتهم المزدوجة، مع تصريحات في اللحظة ذاتها لضرورة بناء حوار مع موسكو من خلال القنوات المناسبة.

نلاحظ وجود ازدواجية من المشاعر السياسة لهذا الثنائي تجاه موسكو فالخوف منها طغى على قراراتهم، على عكس واشنطن و التي تهدد مباشرة بتصريحاتها، حتى وصف بعض المحللون السياسيون أن دونالد ترامب من أكثر الرؤساء اختلالا في العالم بسبب هجوميته الشديدة و انتقاءه للألفاظ المستفزة سياسياً.

بينما نرى أن روسيا أخذت من طبيعة الطقس في بلادها، فمالت سياسة بوتين الى البرودة الشديدة في جميع تصريحاته، علماً أنك إذا تعمقت في المعاني الخفية لكلماته، تكون هي التهديدات الأكثر قسوة من بين نظرائه.

ويتجدد الحديث بين الحين والاّخر عن عودة الحرب الباردة بين الدولتين والتي انتهت في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ففي كل أزمة جديدة بين الدولتين تكثر الأقاويل بخصوص ذلك، إذ أن التوتر بين الطرفين وصل الذروة والتي من الصعب بعدها التراجع، خاصة بعد قيام روسيا بإعادة توزيع قواتها على الحدود مع أوروبا بمحاولة لترسيم حدوها، ودعمها لسورية وإيران واللتان تعدان من أبرز خصوم الثالوث في الوقت الراهن.

عقوبات شديدة تضعها الدول الثلاث ضد روسيا في مجال السلاح و البنوك و التجارة وغيرهاـ والتي كثرت في الفترات الأخيرة كونها الورقة الأكثر ضغطاً على موسكو، علها تتراجع عن أي خطوة تتخذها، ولم تعجبهم، إلّا أنها تلك الإجراءات لم تلق إلا مثيلاتها من قبل القارة البيضاء.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات الأمريكية الجديدة ضد روسيا، يتضمن كل العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بحق موسكو سنوات 2014 و2015 وحتى آخر عقوبات نهاية عام 2016. ويضيف إليها السماح بفرض عقوبات جديدة عن “النشاط الذي يقوض الأمن الإلكتروني الأمريكي لصالح الحكومة الروسية”، كما يدعو نص العقوبات إلى “مواصلة التصدي لمشروع أنابيب السيل الشمالي 2 “أي نورد ستريم  2″، لأنه يضر بأمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وتطوير سوق الغاز في وسط وشرق أوروبا”، وعليه فيجب على الحكومة الأمريكية أن تجعل من تصدير الطاقة من الولايات المتحدة إلى أوروبا ضمن أولوياتها، وهذا ما رفضه الاتحاد الأوروبي كون القرار اتخذ من جانب واحد فقط و في تنفيذه تهديد لأمن طاقة أوروبا، إضافة الى سيل الاتهامات الموجهة ضد روسيا بشكل دائم بالتدخل بشؤون الانتخابات سواء في بريطانيا او فرنسا او أمريكا.

الثلاثي المذكور يحاول جهده التقليل من شأن القومية الروسية وعزة نفس الروس، والأخيرة يديرها اليوم رجل مهووس بعظمة روسيا، ويحاول إعادة فرض وترسيخ مكانتها على الساحة.و يحاول الرئيس الروسي حالياً الاستفادة من ضعف نسبي لأوروبا التي أرهقتها أزمة اليورو ومن امريكا يعتبرها في حالة جمود وانتهازية.

من جانب اّخر يرى مركز الدراسات السياسية في موسكو "أنه لم تعد هناك مواجهة عسكرية مثل تلك التي وقعت بين حلف الاطلسي وحلف وارسو، اليوم لا روسيا ولا الغرب مستعدان لهجمات كبرى، وهناك خلافات لكن الستار الحديدي لم يعد قائما ولن يعود، فالصراع يبقى قائم على النفوذ الدولي والعالمي".

ذكاء وحنكة بوتين أخذه لبناء علاقات ودية مع الصين والتي تعد عنصر اقتصادي عالمي مخيف، تعقد اّمال الحلفاء عليها، والتخوف الأمريكي هنا من إقامة تحالف روسي صيني وثالثهما قد تكون كوريا الشمالية ضد الغرب.

إلّا أن العلاقة الى اليوم لا زالت مبهمة كون روسيا تتخوف من التهديدات الصينية بخصوص سيبيريا، والنووي الخاص بها موجه للصين بقدر ما هو موجه لحلف الأطلسي.

المحللون الاستراتيجيون يرون بأن تدهور العلاقات الروسية مع الثالوث وصل أوجه بعد عام 2014 بخصوص الأزمة الأوكرانية وعمل موسكو على وضع  شبه جزيرة القرم تحت جناحها، إضافة لوضع الصواريخ الروسية في مدينة طرطوس، وإجراء مناورات عسكرية مع مصر، كل ذلك أجج الخلاف والتوتر بينهم، خاصة أن موسكو ترى في الغرب خصم همه الوحيد تقليص مكانة روسيا في البلطيق والبلقان وجورجيا وأوكرانيا.

وعزز الخلاف دعم واشنطن المستفز لإسرائيل، وموسكو لفلسطين، هذا ما جعل الصراع يظهر كوضعية صب الزيت على النار.

من يقرأ هذه الاحداث جميعها، يخرج بنتيجة مهمة أن لا حرب نووية ستحدث ففي حال استهدفت واشنطن موسكو بالنووي فحتماً سيصيبها أضرار مماثلة للمعتدى عليها، إذاً نستبعد هذا الاحتمال تماماً، لنجزم معاً بأن الصراع الحقيقي بين تلك القوى هو الشرق الأوسط، فكل دولة منهم تعمل على إثبات قوتها وقدرتها، وكل منهم تعمل على تجربة سلاحها و معداتها في مواقع الصراع، لتؤكد للأخرى بأنها الأقدر على زعامة العالم، لذلك نراهم يستبسلون في هذه البوتقة، بمحاولة من كل طرف بفرض سيطرته ونفوذها على الاّخر، ليتم إعلان القوة الأعظم الوحيدة في العالم فور انتصار إحداها على الأخرى.

وفي خضم هذا الصراع والعراك كله الخاسر الوحيد في اللعبة السياسية هو الشرق الأوسط، والذي كلما حاول رفع رأسه نحو التطور و النهوض باقتصاده جاءته ضربة على الرأس أعادته مئة سنة الى الوراء، ليبقى دائماً تحت سيطرة تلك القوى، التي ترى بالشرق الأوسط الغنيمة الدسمة والمناسبة لتطلعاتها الاستعمارية المتغيرة في طريقة السيطرة على الغنيمة ولكن المضمون يبقى ذاته في كل حلقة.

خاص مراسلون  - فاطمة فاضل